ابن قيم الجوزية
135
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وطاعتهم وعبادتهم له ، دون وليهم ومعبودهم الحق . واستقطع عباده ، واتخذ منهم حزبا ظاهروه ووالوه على ربهم ، وكانوا أعداء له مع هذا العدو . يدعون إلى سخطه . ويطعنون في ربوبيته وإلهيته ووحدانيته ، ويسبونه ويكذبونه . ويفتنون أولياءه ، ويؤذونهم بأنواع الأذى . ويجهدون على إعدامهم من الوجود وإقامة الدولة لهم . ومحو كل ما يحبه اللّه ويرضاه ، وتبديله بكل ما يسخطه ويكرهه . فعرّفه بهذا العدو وطرائقهم وأعمالهم ومالهم . وحذره موالاتهم والدخول في زمرتهم والكون معهم . وأخبره في عهده : أنه أجود الأجودين ، وأكرم الأكرمين ، وأرحم الراحمين ، وأنه سبقت رحمته غضبه ، وحلمه عقوبته ، وعفوه مؤاخذته ، وأنه قد أفاض على خلقه النعمة ، وكتب على نفسه الرحمة ، وأنه يحب الإحسان والجود والعطاء والبر ، وأن الفضل كله بيده ، والخير كله منه ، والجود كله له . وأحبّ ما إليه : أن يجود على عباده ويوسعهم فضلا . ويغمرهم إحسانا وجودا . ويتم عليهم نعمته . ويضاعف لديهم منته . ويتعرف إليهم بأوصافه وأسمائه . ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه . فهو الجواد لذاته ، وجود كل جواد خلقه اللّه ، ويخلقه أبدا : أقل من ذرة بالقياس إلى جوده ، فليس الجواد على الإطلاق إلا هو ، وجود كل جواد فمن جوده ، ومحبته للجود والإعطاء والإحسان ، والبر والإنعام والإفضال : فوق ما يخطر ببال الخلق ، أو يدور في أوهامهم . وفرحه بعطائه وجوده وإفضاله أشد من فرح الآخذ بما يعطاه ويأخذه ، أحوج ما هو إليه أعظم ما كان قدرا . فإذا اجتمع شدة الحاجة وعظم قدر العطية والنفع بها ، فما الظن بفرح المعطي ؟ ففرح المعطي سبحانه بعطائه أشد وأعظم من فرح هذا بما يأخذه . وللّه المثل الأعلى . إذ هذا شأن الجواد من الخلق ، فإنه يحصل له من الفرح والسرور ، والابتهاج واللذة بعطائه وجوده ، فوق ما يحصل لمن يعطيه . ولكن الآخذ غائب بلذة أخذه ، عن لذة المعطي ، وابتهاجه وسروره . هذا مع كمال حاجته إلى ما يعطيه وفقره إليه ، وعدم وثوقه باستخلاف مثله ، وخوف الحاجة إليه عند ذهابه ، والتعرض لذل الاستعانة بنظيره ومن هو دونه . ونفسه قد طبعت على الحرص والشح . فما الظن بمن تقدس وتنزه عن ذلك كله ؟ ولو أن أهل سماواته وأرضه ، وأول خلقه وآخرهم ، وإنسهم وجنهم ، ورطبهم ويابسهم ، قاموا في صعيد واحد فسألوه ، فأعطى كل واحد ما سأله : ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة . وهو الجواد لذاته ، كما أنه الحي لذاته ، العليم لذاته ، السميع البصير لذاته ، فجوده العالي من لوازم ذاته ، والعفو أحب إليه من الانتقام ، والرحمة أحب إليه من العقوبة ، والفضل أحب إليه من العدل ، والعطاء أحب إليه من المنع . فإذا تعرض عبده ومحبوبه الذي خلقه لنفسه ، وأعد له أنواع كرامته ، وفضله على غيره ، وجعله محل معرفته ، وأنزل إليه كتابه . وأرسل إليه رسوله ، واعتنى بأمره ولم يهمله ، ولم يتركه سدى ، فتعرض لغضبه ، وارتكب مساخطه وما يكرهه وأبق منه ، ووالى عدوه وظاهر عليه ، وتحيز إليه . وقطع طريق نعمه وإحسانه إليه التي هي أحب شيء إليه . وفتح طريق العقوبة والغضب والانتقام : فقد استدعى من الجواد الكريم خلاف ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبر